الرئيسية / أخبار / أسطورة الذوق العام.. لماذا يشاهد المصريون الأفلام الرديئة؟

أسطورة الذوق العام.. لماذا يشاهد المصريون الأفلام الرديئة؟


في العام الماضي، كنت سعيد الحظ لمشاهدة الفيلم الإيطالي “سعيد كلازارو” (Happy As Lazzaro) في مهرجان الجونة السينمائي. كنت مأخوذا بالفيلم، للدرجة التي دفعتني لمشاهدته مرة أخرى حينما عُرض ضمن برنامج بانوراما الفيلم الأوروبي، وفي المرة الثانية اكتشفت اكتشافا مذهلا. يدور الفيلم حول شخصية لازارو، الشاب الذي تحيط به هالة ملائكية تجبر المشاهد على التعلق به بشكل عاطفي. في أحد مشاهد الفيلم يسقط لازارو من أعلى قمة جبلية، وفي المرتين التي شاهدت فيهما الفيلم، علت أصوات المشاهدين بالقاعة في تعبير حقيقي للغاية عن الخوف الذي أحاط بهم بعد مشاهدة بطلهم المحبوب يلاقي حتفه. التجربة كانت رائعة، ولمستُ فيها عن قرب أثر فن السينما على محبيه وعشاقه، وأخذت أتساءل؛ لماذا يشاهد الناس أفلاما بعينها؟ وكيف تتبلور تفضيلاتهم المحددة من بين الكثير من الأنواع والأشكال الفيلمية المتاحة والمعروضة عليهم؟

  

مَثَّلَ فيلم “هروب اضطراري” الذي تم إنتاجه عام 2017 نقطة تحوّل كبيرة في شباك تذاكر السينما المصرية، حيث دفع بإيرادات الأفلام، من الناحية الرقمية، إلى الاهتمام الجماهيري للمرة الأولى منذ عقود طويلة، وذلك بعدما حقق إيرادات تجاوزت 55 مليون جنيه، وبدأت معه الحملات الإعلامية والدعائية التي تتكئ على أرقام شباك التذاكر للتأثير على توجهات المشاهدين. وإذا ما وضعنا في الاعتبار أثر القفزة الكبيرة في معدل التضخم التي بدأت موجتها الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، فسنجد أن الرقم الحقيقي لا يحمل دلالة كبيرة، لكن المقارنة الرقمية مع الأفلام المتصدرة في الأعوام السابقة (“الجزيرة 2” = 35 مليونا، “أهواك” = 22 مليونا، “لف ودوران” = 43 مليونا) ساهمت في تضخيم المنجز الحقيقي لهذا الفيلم.

  

بعد “هروب اضطراري”، تزايد الاهتمام الإعلامي بإيرادات الأفلام المصرية بشكل كبير، وسارعت المنصات الإعلامية كافة إلى نشر أرقام شباك التذاكر بشكل يومي مع كل موسم سينمائي جديد، وانتشرت المعارك الإعلامية بين شركات الإنتاج المختلفة لتأكيد الصدارة بوصفها المعيار الأوحد للنجاح، وظهرت الكثير من القوائم التي تقارن الأفلام الأكثر تحقيقا للإيرادات في تاريخ السينما المصرية. تمحورت المحاولات الجادة لتناول هذه الظاهرة حول الإجابة عن سؤال: “ماذا يشاهد المصريون؟”، وبعيدا عن حمى الأرقام والإيرادات، رأينا أن السؤال الأجدر بالاهتمام هو: “لماذا يشاهد المصريون هذه الأفلام؟”.

      

فيلم هروب اضطراري (مواقع التواصل)

   

مع توغّل رأس المال الخليجي تحديدا في صناعة السينما المصرية في الثمانينيات من القرن العشرين، طفا على السطح مصطلح “سينما المقاولات” والذي يُشير إلى الأفلام متواضعة الميزانية رديئة المستوى الفني التي أُنتجت خصيصا من أجل التوزيع الخارجي في الدول العربية، أو التوزيع الجماهيري من خلال شرائط الفيديو. في هذه الحقبة، تناولت الكتابات النقدية معضلة العرض والطلب، والتي تتمحور حول سؤال: مَن يصنع المنتَج الفني، الفنان أم المتلقي؟

   

تجدّدت المعضلة ذاتها في بدايات الألفية الجديدة مع انتشار سينما السبكي، وبدأت الكتابات النقدية تكيل الاتهامات إلى الأخوين سبكي بإفسادهما لمفهوم “خيالي” يُدعى “الذوق العام”. في الحقيقة، ليس هناك تعريف جامع مانع لمصطلح “الذوق العام”، لكن الشائع في استخدامه يشير إلى الجمهور العام بشكل افتراضي، كما لو كان هذا الجمهور كتلة واحدة متجانسة، كما أنه يستمد دلالته بالأساس من المردود التجاري للأفلام في شباك التذاكر.

    

في كتابه “السينما وعلم النفس”، يصف سكيب داين يونج، أستاذ علم النفس والمتخصص في دراسات الأفلام، الأفلام التجارية الناجحة بأنها “أفلام ديمقراطية ﻷنها تُجسّد أفكارا ومشاعر سائدة، وتسكن مناطق مألوفة ومريحة بالنسبة إلى أغلب المجتمع الأميركي”.[1] تعريف يونج للأفلام التجارية الناجحة يُعتَبر مدخلا مهما لفهم جمهور هذه الأفلام، إذ إنها ليست أفلاما “نخبوية” بالمعنى الثقافي، بل هي أفلام مناسبة لذوق الغالبية العظمى من الجمهور. إذا ما اعتمدنا هذا المعيار الكمي في تعريفنا للجمهور أو الذوق العام، فمن الطبيعي أن يكون النجاح في شباك التذاكر مؤشرا حقيقيا على توجّه الجمهور وإقباله كمستهلك على نوع محدد من المنتج الفني، ولكن هل يكون معيارا جيدا للحكم على “الذوق العام”؟ 

    

 السبكي للانتاج الفني (مواقع التواصل)

   

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أنه لكي تكون هناك أذواق، فيجب أن تكون هناك سلع مصنَّفة، ذات ذوق جيد أو رديء، مميزة أو سوقية، وأشخاص يملكون مبادئ التصنيف والأذواق، تتيح لهم أن يميّزوا من بين هذه السلع تلك التي تُلائم أذواقهم. وعليه يمكن أن يكون هناك بالفعل ذوق من دون سلع (ذوق بمعنى مبدأ تصنيف ومبدأ فصل وقدرة على التمييز) وسلع من دون ذوق.[2]

   

إذا ما نظرنا إلى أفلام السبكي من هذا المنطلق، كمنتج أو سلعة ترفيهية، فإن النجاح في شباك التذاكر يرتبط بالتأكيد بوجود المستهلك الذي يتوافق ذوقه مع هذه السلعة، بيد أن الكتابات النقدية التي سارعت إلى اتهام الأخوين سبكي بإفساد الجمهور، ومطالبة الأخير بالارتقاء بذوقه، تؤكّد نظرتها القاصرة لمفهوم الذوق، الذي يرى بورديو أنه ينشأ من خلال التقاء بين عرض وطلب، أو على نحو أدق بين سلع مصنفة وأنظمة تصنيف، وأن التغير يحدث في الفضاءين -فضاء إنتاج السلع، وفضاء إنتاج الأذواق- في الوقت نفسه. وهنا يظهر سؤال جديد: ما الذي طرأ على أنظمة التصنيف لدى المشاهد المعاصر؟

  

من أجل الانطلاق من أرض ثابتة، قمنا في “ميدان” بإجراء استبيان بسيط على عينة عشوائية تضمّنت أكثر من 100 مشترك أجابوا عن سؤال أساسيّ: “ما المعيار الذي تُقرر على أساسه الذهاب إلى السينما؟”، على أن يُسمح للمشاركين بأكثر من إجابة واحدة. تفاوتت الأسباب والمعايير في إجابات المشاركين، وجاءت النتيجة على النحو الموضح في الشكل التالي:

       

      

في السنوات القليلة الماضية، أثّرت الثورة التكنولوجية بشكل كبير على أنظمة التصنيف لدى المشاهد عموما، والمصريّ على وجه التخصيص، إذ أصبح إتاحة المنتج الأجنبي والوصول إلى الفيلم الأجنبي أكثر سهولة بكثير منه في الماضي القريب، كما أن توغّل مواقع التواصل الاجتماعي في كل مظاهر الحياة اليومية خلق بالتبعية مجتمعات جديدة من المشاهدين طوّرت أنظمتها الخاصة للتصنيف مع تراكم خبرات المشاهدة.

  

تعتمد هذه المجتمعات الجديدة في عملية التصنيف بشكل كبير على مراجعات الأفلام، سواء من خلال التقييم الرقمي على موقع “IMDb”، أو من خلال المراجعات المصوّرة لعدد من قنوات يوتيوب مثل قناة “فيلم جامد”. هذا النوع من المراجعات يجد قبولا وانتشارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، ويزداد عدد صُنّاعه باستمرار.

  

وبالعودة لداين يونج، فهو يرى أننا جميعا نقيّم خبراتنا في مشاهدة الأفلام. وأولئك الأفصح لسانا، والأعلى صوتا، أو الكثيرو الكلام، يصبحون أكاديميين أو يُنشئون المدونات، لكن حتى أقلهم قدرة على التعبير عن أنفسهم يعتمدون في اختياراتهم لما يشاهدونه من أفلام على خبرات سينمائية سابقة. يتضمن هذا التقييم، لدى غالبية الناس، عنصرا تأمليا واعيا. فنسأل أنفسنا: هل كان الفيلم ممتعا؟ هل كان مُرضِيا؟ أم كان مضيعة للوقت والمال؟ فالمتعة والإشباع هما المسألتان الأساسيتان عند تناولنا للفيلم باعتباره شكلا من أشكال الترفيه. وعندما يختار الناس أشكال الترفيه التي يُفضِّلونها، فمن المُسلَّم به أنهم يصنعون قرارات يعتبرونها ذات شأن.[3]

    

الرغبة في الذهاب إلى السينما تتوقف على مدى المتعة والإشباع الذي يحققه الفيلم، وأغلب إنتاجات السينما المصرية ﻻ تُحقق هذا الهدف بأي حال

مواقع التواصل

   

يبدو قرار الذهاب إلى قاعة السينما لمشاهدة أحد الأفلام قرارا بسيطا، لكنه في الواقع ليس كذلك، لا سيما في مصر. فهناك حساب التكلفة المادية التي تتأثر بالوضع الاقتصادي للمشاهد، وكذلك الموقع المكاني لدار العرض، فمع سهولة الوصول إلى الأفلام أصبح الجمهور أكثر ميلا إلى مشاهدتها بالمنزل منه إلى الذهاب لدار العرض، ولهذا تشهد مواسم الأعياد إقبالا كبيرا على السينما، نظرا لتوفر المقدرة المادية، خاصة للأطفال والفئة الأصغر من الشباب، وكذا لكونها نزهة ترفيهية معتادة في الأعياد.
   

ويزداد الأمر تعقيدا إذا ما تعلق القرار بمشاهدة فيلم مصري، فالرغبة في الذهاب إلى السينما تتوقف على مدى المتعة والإشباع الذي يحققه الفيلم، وأغلب إنتاجات السينما المصرية ﻻ تُحقق هذا الهدف بأي حال، ولهذا نلاحظ أن إقبال المُشاهد المصري على الأفلام الأجنبية يتعاظم بشكل مطّرد في السنوات القليلة الماضية، فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية سيطرت الأفلام الأجنبية على حصة إيرادات أعلى من الأفلام المصرية بمعدل نمو بلغ 65%.[4]

   

   

فيما تبقى من مساحة هذا التقرير سنحاول استقراء توجهات الجمهور المصري واختبار تأثير العامل السيكولوجي على عملية المشاهدة، وذلك بالاستناد إلى قائمة الأفلام اﻷعلى مشاهدة في تاريخ السينما المصرية التي أعدّها الباحث والمحلل السينمائي محمد حسين بعد معادلة نسبة التضخم، وكذا على عدد من الأفلام التي حققت أرقاما قياسية في شباك التذاكر على مدار السنوات الثلاثة الماضية.

   

  

الملاحظة الأبرز في قائمة الأفلام الأعلى إيرادات في السينما المصرية على مدار تاريخها الذي تجاوز القرن أن القائمة بالكامل تندرج تحت تصنيف الفيلم الكوميدي. بالعودة إلى الاستبيان؛ سنجد أن 50% من المشاركين يتوقف اختيارهم للفيلم على نوعه/تصنيفه، وهو ما يبدو تفسيرا منطقيا لسيطرة الأفلام الكوميدية على تلك القائمة.

  

من الناحية النفسية، تحتل الكوميديا مكانة مميزة من بين الأنواع الفيلمية المختلفة، إذ إن الأفلام الكوميدية تُضحك الناس، وهم بحاجة حقيقية إلى أن يكونوا موجودين في مساحات تجعلهم يضحكون، ومن هنا فقد تكون هي أكثر أنواع الأفلام رسوخا وانتشارا. تلك الملاحظة تتفق ونظرية المتعة حول جاذبية الفيلم، فنحن نستمتع بالأفلام لأنها تجلب لنا المتعة.[5]

   

تكتسب الكوميديا بُعدا إضافيا لدى المشاهد المصري، فكما يقول الناقد السينمائي سامي السلاموني: “إذا كان صحيحا أن الكوميديا هي أحد أهم مكونات الشخصية المصرية عند مواجهة الأزمات، فمن الطبيعي أن تكون إحدى أهم وأنشط نوعيات السينما المصرية هي الأفلام الكوميدية. وهي ليست أكثر هذه النوعيات إقبالا من الجمهور على الإطلاق فقط، بل إنها كانت وسيلة فاعلة في الوقت نفسه للتعبير عن الواقع المصري لمن يريد رصد مزاج وتغيرات وما يكمن تحت سطح هذا الواقع”.[6]

     

انتشار كوميديات ما يسمى الآن بأفلام المقاولات ليس سوى تعبير عن أزمة حادة لدى الجمهور الذي يتقبل بالفعل هذه السلعة لأنه يريد أن يضحك على أي شيء

مواقع التواصل

   

في هذا الإطار يرصد يونج مجموعة من الأنماط التي تربط بين ارتياد دور السينما والظروف الثقافية والاقتصادية فيما يُطلق عليه “التسلية الهروبية”، فعلى سبيل المثال وجدت إحدى الدراسات أنه بين عامي 1951 و2000 كانت هناك نسبة متزايدة من مشاهد العنف الهزلي في الأفلام الكوميدية التي حققت أعلى الإيرادات مثل “Blazing Saddles” – 1974، و”Home Alone” – 1990، و”Austin Powers: The Spy Who Shagged Me” – 1999، والتي أُنتجت في فترات اتسمت بارتفاع معدلات البطالة، ومؤشر أسعار المستهلك، والقتل أو الانتحار، إذ إن مثل هذه الأفلام جسّدت تجسيدا مرئيا الإحباطات السائدة في تلك الحقبة.[7]

   

يضيف السلاموني أنه “حتى حينما يبدو أن الممثلين لا يفعلون أكثر من أن يهرجوا ويهزلوا فيما يهاجمه النقاد ويترفّعون عنه، فليس هذا إلا تعبيرا عن واقع نفسي واقتصادي -وأحيانا سياسي- يفرز بطبيعته هذا النوع من الهزل. بل إن انتشار كوميديات ما يسمى الآن بأفلام المقاولات ليس سوى تعبير عن أزمة حادة لدى الجمهور الذي يتقبل بالفعل هذه السلعة لأنه يريد أن يضحك على أي شيء وبأي مستوى، فظروف الجميع في حاجة إلى ذلك”.[8] على المستوى الكمي تتمتع الأفلام الكوميدية بميزة إضافية تتمثّل في كونها أفلاما عائلية مناسبة لكل أفراد الأسرة ولا سيما الأطفال. وفي الأفلام العائلية تكون الوحدة الحسابية هي الأسرة وليس الفرد، ومن ثم يكون مردود الوحدة الواحدة 3 تذاكر على الأقل.

  

  

يشير الاستبيان إلى أن معيارَيْ نجم الفيلم ومخرجه من المحددات الأساسية لإقبال الجمهور على أفلام بعينها، ويمكننا أن نستنبط من قائمة الأفلام الأعلى إيرادات ما يؤكد ذلك، فسنجد أن النجم الكوميدي محمد سعد يتصدر القائمة بأربعة أفلام، يليه النجم محمد هنيدي بثلاثة أفلام من بطولته المطلقة، وفيلم رابع “إسماعيلية رايح جاي” شارك محمد هنيدي في بطولته مع نجم الغناء محمد فؤاد.

   

ملحوظة أخرى، جانبية ولكنها مفسرة، يمكن أن نستنبطها من تلك القائمة، وهي أن كل النجوم الموجودين بالقائمة هم من الرجال. وهي ملاحظة عالمية بكل تأكيد، إذ يؤكد يونج في كتابه أن “شعبية نجوم السينما هي انعكاس آخر لمواقف وتفضيلات الجمهور. فقد ﻻحظ العديد من المراقبين أن الممثلين الذكور يتمتعون بحياة فنية أطول وأكثر نجاحا مقارنة بالممثلات”.[9]

    

بالتأكيد هناك فارق بين المشاهد المصري والأميركي، كما تختلف صناعة النجم في هوليوود عنها في مصر، غير أننا نستطيع أن نلمس مدى تأثير شعبية النجم في الإقبال الجماهيري من خلال سلوك شائع بين أغلب المشاهدين المصريين الذين يولون اهتماما بالنجم أكبر منه للفيلم، إذ يمكننا ملاحظة أن عددا من المشاهدين يطلبون تذكرة الفيلم باسم نجمه، فلا يقولون: “تذكرة لفيلم نادي الرجال السري”، وإنما يقولون: “تذكرة كريم عبد العزيز”.

    

فيلم نادي الرجال السري لكريم عبد العزيز (مواقع التواصل)

  

أما أكثر الأسباب تواترا في إجابات المشاركين على الاستبيان فهي مخرج الفيلم، وبالرغم من أن الاستبيان لم يطلب من المشاركين تحديد إجاباتهم فيما يخص الفيلم المصري والأجنبي، فإن بعض المشاركين ذكروا في إجاباتهم اسم المخرج المصري بيتر ميمي. يعيش المخرج بيتر ميمي فترة ازدهار كبيرة في السنوات الماضية، استطاع خلالها أن يتصدّر شباك التذاكر في عدد من المواسم بأفلام مثل “حرب كرموز”، و”كازابلانكا”، كما تُحقق أعماله التلفزيونية نجاحا ﻻفتا في شهر رمضان من كل عام. جزء كبير من هذا النجاح يرتبط بالثنائية التي جمعت بين بيتر ميمي والنجم أمير كرارة، ومن ثم فإن أعمالهما يتوفر لها المعياران الأكثر تكرارا في إجابات المشاركين على الاستبيان.

  

يرتبط هذا النجاح أيضا بعاملَيْن غاية في الأهمية، أولهما هو حجم الإنتاج الكبير الذي يتوفر لهذا الثنائي، والذي يتمكّن من خلاله ميمي من توفير النفقات الكافية للمَشَاهِد الأكثر تكلفة في صناعة السينما والتي تعتمد على الخدع والمؤثرات وتصميمات المعارك ومتخصصي التفجيرات الأجانب، وغيرها من العوامل الجاذبة لشريحة كبيرة من الجمهور.

  

أما العامل الثاني فيتمثّل في حجم ووسائل الدعاية والتسويق للأفلام قبل طرحها بفترة كبيرة نسبيا، واستهداف الجمهور بوسائل معاصرة، مثل التسويق على مواقع التواصل الاجتماعي، والاعتماد على الصفحات المليونية مثل “Screen Mix”، أو التصميمات الخاصة للكوميكس والاقتباسات المصورة من حوار الفيلم. نرى ذلك بشكل واضح في إستراتيجيات الدعاية لأفلام ثنائي آخر ﻻ يقل نجاحا يضم المخرج مروان حامد والكاتب ذا الشعبية الكبيرة أحمد مراد، والحرص على طرح الصور الدعائية لأبطال ونجوم العمل بمجرد التعاقد معهم، وذلك قبل بدء العمل على الفيلم بفترة طويلة.

  

هذه الإستراتيجية الدعائية أثبتت نجاحها بشكل كبير، فالتسويق المبكر للفيلم واستغلال مجتمعات منصات التواصل الاجتماعي يخلق حالة من الترقب للفيلم تتحول إلى دافع قوي لمشاهدته فور طرحه، ويتسابق الأفراد بدافع من تأثير الأقران إلى مشاهدة الفيلم في أيام عرضه الأولى، حتى يتسنى لهم المشاركة بالكتابة عن الفيلم على حساباتهم الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي.

 

     

لم يقتصر أثر النجاح التجاري لفيلم “هروب اضطراري” على توريط المشاهد في معركة الإيرادات وحسب، ولكنه أيضا أعاد فيلم الأكشن إلى الصدارة على حساب الفيلم الكوميدي. فعلى مدار السنوات الثلاثة الماضية سنجد أن الغالبية العظمي من الأفلام التي احتكرت شباك التذاكر، مثل “الخلية”، و”حرب كرموز”، و”الديزل”، و”كازابلانكا”، و”وﻻد رزق”، كلها تنتمي لهذا النوع.

  

من وجهة نظر علم النفس، تُعَدُّ القدرة العالية على التماهي التي يوفرها وسيط فني مثل السينما دافعا رئيسيا يوجّه المشاهد إلى البحث عن تجارب مثيرة ﻻ تتوفر له في الواقع. فالبحث عن الإثارة سمة شخصية تشير إلى السعي وراء تجارب تتسم بالخطورة والجِدّة، تجارب قادرة على توليد إثارة حسية (القيادة السريعة، المقامرة، القفز بالمظلات). والأفراد الذين يتمتعون بدرجة عالية من البحث عن الإثارة يميلون إلى الإعجاب بالأفلام التي تحتوى على قدر كبير من العنف والرعب والمغامرة والمونتاج السريع.[10]

  

يرتبط اسم النجم أحمد السقا بشكل خاص بنوع فيلم الأكشن، إذ إنه بنى شهرته الواسعة على قدرته البدنية وأدائه للمشاهد الخطرة دون الاستعانة ببديل، بداية من قفزته الشهيرة في فيلم “أفريكانو” ومرورا بالكثير من القفزات والمشاهد الخطرة، وانتهاء بأحد مشاهد فيلم “هروب اضطراري” الذي نرى فيه السقا مُعلّقا على أحد أبراج عثمان بالمعادي.

  

اعتمد تصوير المشهد على الكاميرا المحمولة بطائرة “درون” (Drone)، التي تبدأ في لقطة مقربة لوجه السقا للتأكيد أنه هو بنفسه مَن يؤدي المشهد وليس البديل، ثم تتراجع إلى الخلف لتتسع زاوية التصوير أكثر فأكثر للتدليل على أن المشهد يتم تصويره بشكل حي دون أي مؤثرات. مثل هذه المشاهد الخطرة تمنح المشاهد دفقة كبيرة من الأدرينالين التي تُعظّم من درجة التماهي، وبالتبعية من تجربة المشاهدة.

   

  

بالإضافة إلى المشاهد الخطرة، يُمثِّل العنف أحد الروافد المهمة لفيلم الأكشن، لكن السؤال الذي يُطرح هنا حول أسباب إقبال الجمهور على مشاهدة الأفلام المليئة بالعنف والدمار. بحسب فرويد، تكون الميول التدميرية الفطرية عُرضة للعقاب في المجتمعات المتحضرة عند التعبير عنها بطريقة مكشوفة، ولذا فإنها تزاح إلى دائرة اللا وعي. بيد أن ذلك ﻻ يقضي عليها، ولذا فهي تثير فينا توترات داخلية. ويتمثّل أحد الحلول في إزاحة نزعاتنا العدوانية (أو التسامي بها) بعيدا عن الأنشطة التي تسبّب لنا المتاعب (بدءا من مشاجرة في حانة) باتجاه أنشطة مقبولة اجتماعيا (مشاهدة مشاجرة في حانة في أحد الأفلام).[11]

  

هنا نجد أن فيلم الأكشن يشترك مع الفيلم الكوميدي في كونه أحد أشكال التسلية الهروبية، التي يستطيع المشاهد من خلالها إسقاط ما تراكم في ﻻ وعيه الخاص على شاشة العرض. وفي الإطار نفسه يؤكد يونج أن العنف برهن على كونه مفيدا لبقاء الجنس البشري على قيد الحياة في مواجهة الأعداء والوحوش الضارية، ومن هنا يُعتَبر العنف حافزا مفيدا في حل المشكلات، وهو محفور بعمق في شفراتنا الوراثية. لكن في عالمنا المعاصر ﻻ يُمثِّل العنف وسيلة ناجحة لحل مشكلات الحياة اليومية، ومن ثم تجد دوافعنا العدوانية تعبيرا لها في الوسائل الرمزية، وتتحوّل أفلام العنف إلى مصادر للمتعة والإشباع، هذا الإشباع الذي يتم ترجمته في شباك التذاكر بأرقام قياسية عاما تلو الآخر.
 

التلقي مسألة معقدة، باعتبار أن طريقة استجابة شخص ما لأحد الأفلام أو تفسيره له تعتمد على عدد من العناصر منها؛ نوع الفيلم، وطبيعة المُشاهد، وتركيبة جمهور المشاهدين من حيث التجانس والاختلاف، والاعتبارات الجمالية، وإستراتيجيات التسويق. يؤكد برنارد ف. ديك في كتابه “تشريح الأفلام” أنه مع ازدياد تنوع جمهور السينما فالاحتمال ضعيف بأن توجد في المستقبل نظرية شاملة حول تلقي الأفلام، بل مزيد من الدراسات من خلال كلٍّ من علم الاجتماع وعلم النفس حول استجابة المشاهد.

   

نجد أن فيلم الأكشن يشترك مع الفيلم الكوميدي في كونه أحد أشكال التسلية الهروبية، التي يستطيع المشاهد من خلالها إسقاط ما تراكم في ﻻ وعيه الخاص على شاشة العرض

 

مواقع التواصل

  

ترتبط النظرة القاصرة للنقاد والمتخصصين لدى تحليلهم لتوجّهات الجمهور وتفضيلاتهم بغياب البيانات الدقيقة والأبحاث الخاصة، ففي هوليوود تموّل الأستوديوهات وشركات الإنتاج أبحاثا مماثلة لفهم توجّهات الجمهور بهدف استخدام نتائجها في تطوير الأفلام وتسويقها والدعاية لها. وتستخدم هذه الأبحاث طرقا متنوعة مثل استجابات الجمهور أثناء عروض اختبارية، ومقابلات مع مجموعات النقاش، واستطلاعات رأي تُجرى لدى الخروج من دار العرض، وتهتم هذه الأبحاث بالطبيعة الإنسانية والظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي تكون نتائجها أكثر دقة وتوفر صورة واضحة عن الجمهور بشرائحه المختلفة وتفضيلاته المتنوّعة.

 

أما في مصر، فبالطبع ﻻ توجد مثل هذه الأبحاث، كما أننا ﻻ يتوفر لدينا أي بيانات دقيقة بشأن الإيرادات الحقيقية للأفلام أو توزيعها الجغرافي والديموغرافي، وهو الأمر الذي يمتد لسنوات طويلة ماضية، ويساهم في ترسيخ أسطورة الذوق العام، أو ما يدافع عنه البعض بقوله: “الجمهور عاوز كده”.


المصدر

عن الكاتب

مرحبا، أنا مدون محترف من المغرب، بالضبط من مراكش. كنت ولا زلت مدونا للعديد من المواقع بدوام جزئي ولكن بدأت مؤخرا في إنشاء العديد من المواقع العربية و الأجنبية ،بالنسبة لي فالتدوين هواية وليس وسيلة لكسب المال ، لدي مستوى جيد وأمتلك مهارات في مجال المعلوميات و الهندسة المدنية… بعد رؤية النجاح الكبير لبعض المدونات الرائدة، أردت ومن خلال هذه البوابة أن أقتسم معكم تجربتي و معلوماتي عن كل شيئ وأن أبقى معكم على تواصل دائم…

شاهد أيضاً

كلوب يفتح الباب أمام مشاركة صلاح بمباراة كريستال بالاس

فتح مدرب ليفربول يورغن كلوب الباب أمام مشاركة نجم الفريق محمد صلاح في مباراته أمام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *